المشاركة المجتمعية: نحو تنمية محلية أكثر وعيًا واستدامة

أطلق الاتحاد الفلسطيني للهيئات المحلية برنامج المشاركة المجتمعية ضمن مشروع تمكين المجتمع الفلسطيني لاستغلال فرص التنمية المستدامة، بدعم من الوكالة البلجيكية للتعاون الدولي، في إطار جهوده لتكريس النهج التشاركي في التنمية المحلية، وتمكين الهيئات المحلية من إشراك المواطنين في حماية بيئتهم وتطوير مجتمعاتهم.

يقدّم البرنامج نموذجًا عمليًا لرؤية الاتحاد التي تجعل من الهيئات المحلية فضاءً مفتوحًا للتفاعل مع المواطنين، ومن المشاركة المجتمعية أداةً لإعادة بناء الثقة، وتوجيه الوعي الجمعي نحو مفاهيم العدالة البيئية والتنمية المستدامة.

إطار تشاركي واسع يربط السياسات بالميدان

جاء البرنامج نتاج مسار تشاركي قاده الاتحاد مع الفريق المصغّر لأهداف التنمية المستدامة، حيث وضع في نسخته الأولى إطارًا لـ 70 نشاطًا مجتمعيًا، توسّع لاحقًا ليشمل أكثر من 200 مبادرة تم تطويرها خلال جلسة عصف ذهني مع ممثلي الهيئات المحلية.

استند هذا التطوير إلى مشاورات مع بلديات الخليل، دورا، بيت لحم، بيت جالا، نابلس، العيزرية، طولكرم، عنبتا، أريحا، طوباس، رام الله، البيرة، وبيتونيا، بهدف تحديد القضايا البيئية ذات الأولوية، وتطوير مبادرات عملية تُترجمها ميدانيًا.

وقد شكّلت بلدية دورا نقطة الانطلاق للنموذج التطبيقي للبرنامج، باقتراحها تنفيذ نشاطين رئيسيين:

  • تحديد مسار ثقافي وبيئي يعكس الهوية التاريخية والبيئية للمدينة؛
  • تنفيذ أنشطة تشجير يقودها المجلس الشبابي، بعد تلقيه تدريبًا متخصصًا حول القضايا البيئية والعمل المناخي بما ينسجم مع أجندة 2030.

أدوات دعم ومعرفة لتعزيز التنفيذ

وفّر الاتحاد دعمًا معرفيًا ولوجستيًا للبلديات المشاركة من خلال مواد توعوية وأدوات تعليمية متخصّصة حول أهداف التنمية المستدامة، إلى جانب تزويد البلديات بأشجار ومقاعد ولوحات تعريفية تُستخدم في الأنشطة البيئية والمجتمعية لضمان استدامتها وتحقيق أثر ملموس على أرض الواقع.

 

أثر برنامج المشاركة المجتمعية بالأرقام
أنشطة توعوية
4
أنشطة توعوية
بلديات مشاركة رئيسية
3
بلديات مشاركة رئيسية
شتلة زُرعت في المماشي والمدارس لتعزيز الغطاء الأخضر
175
شتلة زُرعت في المماشي والمدارس لتعزيز الغطاء الأخضر
من فئات الشباب والأطفال والمجتمع المحلي
400
من فئات الشباب والأطفال والمجتمع المحلي
مسار ثقافي بيئي
1
مسار ثقافي بيئي
حملة وطنية للتوعية البيئية
2
حملة وطنية للتوعية البيئية

من الوعي إلى الممارسة: تجارب ميدانية في مدن فلسطينية

تدريب شبابي في دورا حول البيئة وأهداف التنمية المستدامة

في إطار دوره المركزي في دعم المبادرات الشبابية وربطها بالسياسات الوطنية للتنمية المستدامة، نفذ الاتحاد الفلسطيني للهيئات المحلية، بالشراكة مع بلدية دورا ومجلسها الشبابي، برنامجًا تدريبيًا مكثفًا بعنوان "أهداف التنمية المستدامة والقضايا البيئية المعاصرة"، استمر ثلاثة أيام في استاد دورا الدولي، بمشاركة 63 شابًا وشابة.

قدّم المدرب عدي قباجة، على مدار يومين، جلسات تدريبية تناولت المفاهيم العالمية للتنمية المستدامة كما حددتها أجندة 2030، موضحًا الفرق بين الأهداف العامة والغايات التفصيلية والمؤشرات التي تُقاس من خلالها مستويات التقدم، إلى جانب استعراض التجربة الوطنية الفلسطينية في هذا المجال والقضايا التي تمس الواقع الفلسطيني بشكل مباشر مثل التغير المناخي، والعدالة المناخية، مع تسليط الضوء على الهدف السابع المتعلق بضمان طاقة نظيفة وبأسعار معقولة، والهدف الثالث عشر الخاص بالعمل المناخي، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتمكين الهيئات المحلية والمجتمعات المحلية من حماية البيئة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المناخية.

وشمل التدريب جانبًا عمليًا موسعًا من الأنشطة التفاعلية والألعاب التعليمية التي صُممت خصيصًا لترسيخ المفاهيم المطروحة وتحويلها إلى تجربة حية، حيث شارك الشباب في تحديات جماعية، ولعبة الذاكرة، وتمارين ربط الأهداف، ما أتاح لهم فرصة اختبار العمل بروح الفريق وتعزيز التفكير النقدي والابتكار.

ولإبراز دور الشباب كشركاء فاعلين في حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة، اختتم التدريب بنشاط ميداني للتشجير في ممشى بئر الواد، شارك فيه المتدربون ومتطوعون من المجتمع المحلي، حيث جرى زراعة أكثر من 150 شتلة متنوعة على امتداد الممشى. وجاء هذا النشاط ليعكس التحول من التوعية إلى الممارسة، ويؤكد قدرة المبادرات الشبابية على إحداث أثر مباشر في تعزيز الغطاء الأخضر وتحسين المشهد البيئي داخل المجتمعات الفلسطينية.

ويُشكّل هذا التدخل جزءًا من جهود الاتحاد في تنفيذ خطة توطين أهداف التنمية المستدامة، وجزءًا من برنامج المشاركة المجتمعية الذي أعدّه الاتحاد لتعزيز انخراط المواطنين في جهود التنمية وتقليص الفجوة مع الهيئات المحلية في قضايا صنع القرار. وقد جرى تنفيذ هذه الأنشطة ضمن مشروع 'تمكين المجتمع الفلسطيني لاستغلال فرص التنمية المستدامة'، بدعم من الوكالة البلجيكية للتعاون الدولي

أطفال من أجل التنمية المستدامة

في إطار سعيه المستمر من أجل تعزيز المشاركة المجتمعية ونشر الوعي بالقضايا البيئية، نفّذ الاتحاد الفلسطيني للهيئات المحلية نشاطًا توعيًا بالتعاون مع بلدية عصير الشمالية، بمشاركة 130طفلًا، وذلك بهدف تعريف الفئات الناشئة بأهداف التنمية المستدامة وتعزيز فهمهم لأهمية الحفاظ على البيئة، وترسيخ قيم المسؤولية والمشاركة المجتمعية.

وجاء النشاط بأسلوب تفاعلي يربط التعليم بالمتعة والممارسة، حيث تَعرّف الأطفال على الأهداف العالمية من خلال أنشطة مبتكرة جعلتهم يدركون كيف تنعكس هذه الأهداف على حياتهم اليومية، وكيف يمكنهم المساهمة فيها عبر سلوكيات بسيطة ومسؤوليات جماعية. وتجسيدًا لهذه الفكرة، زرع الأطفال أكثر من 25 شتلة في أحواض المدرسة بمرافقة فريق البلدية، لتحويل المعرفة إلى ممارسة حيّة تعزز روح المبادرة وتربط التعليم بالفعل اليومي..

إطلاق “مسار النبي نوح الثقافي البيئي” في دورا

يواصل الاتحاد الفلسطيني للهيئات المحلية ترسيخ مقاربة جديدة للتنمية المحلية تجعل من الهوية الثقافية والبيئية رافعةً للتغيير، حيث ساهم في تطوير “مسار النبي نوح الثقافي البيئي” في مدينة دورا بالتعاون مع بلدية دورا ووزارة السياحة والآثار، وأطلق المسار من خلال فعالية مجتمعية توعوية للمشي جسّدت فكرة التنمية القائمة على الهوية والمشاركة، وذلك ضمن برنامج المشاركة المجتمعية المنفّذ في إطار مشروع تمكين المجتمع الفلسطيني لاستغلال فرص التنمية المستدامة المموّل من الوكالة البلجيكية للتعاون الدولي.

يمثّل هذا المسار نموذجًا عمليًا لكيفية توظيف الموروث الثقافي في خدمة التنمية المحلية، من خلال دمج البعد التاريخي والبيئي في العمل البلدي، وتحويل الفضاءات العامة والمواقع التراثية إلى نقاط تفاعل حيّ تعيد صياغة العلاقة بين الناس والمكان. وقد تولّى الاتحاد بلورة هذا المفهوم ميدانيًا عبر إشرافٍ فني يضمن اتساق المسار مع الرؤية التنموية للبلديات، وترجمة هذه الرؤية إلى أدوات ملموسة؛ من تصميم المسار وتعليمه ميدانيًا إلى تطوير منظومة تعريفية ذكية مزوّدة برموز QR تم دمجها ضمن اللوحات التعريفية التي قام بتوريدها الاتحاد، وذلك بالتنسيق مع البلدية ووزارة السياحة والآثار، بما يجعل من التجربة السياحية فعلًا معرفيًا وتنمويًا في آنٍ واحد.

ويُجسّد هذا التدخل فلسفة الاتحاد القائمة على تمكين البلديات من الانتقال من دورها الخدمي إلى دورٍ تنموي يقود التغيير في المجتمع المحلي، عبر مبادرات تُعيد تعريف التنمية من منظورٍ شامل يربط بين الثقافة، والبيئة، والاقتصاد المحلي، والمشاركة المجتمعية. كما يعكس التحول الذي يسعى إليه الاتحاد في جعل البلديات محركًا أساسيًا للتنمية ومصدرًا لتجديد العلاقة بين المواطن وفضائه المحلي.

ويأتي هذا الجهد انسجامًا مع الغاية (11.4) من أهداف التنمية المستدامة، التي تدعو إلى حماية وصون التراث الثقافي والطبيعي، والذي يعمل الاتحاد على ترجمته إلى ممارسة محلية ملموسة من خلال دعم الهيئات المحلية في دمج البعد التراثي في سياساتها وخططها التنموية بما يرسّخ ارتباط الإنسان بمكانه ويعزز استدامة موارده.

فعالية تعليمية في بيت فوريك لتعزيز وعي الطلبة بالتنمية المستدامة

امتدادًا للأثر التوعوي الذي يواصله الاتحاد الفلسطيني للهيئات المحلية ضمن برنامج المشاركة المجتمعية، نظّمت مدرسة بيت فوريك الثانوية للبنين فعالية تعليمية حول أهداف التنمية المستدامة، بالتعاون مع بلدية بيت فوريك وبدعمٍ فني من الاتحاد. شارك في النشاط أكثر من 75 طالبًا، في إطار مبادرة تهدف إلى تعزيز وعي الطلبة بقضايا التنمية وربطها بواقعهم المحلي، وإبراز دور البلديات في تحقيق الأهداف العالمية على المستوى المجتمعي.

ويجسّد هذا التعاون استمرارية الجهود التي يبذلها الاتحاد في ترسيخ ثقافة التنمية المستدامة على المستويين المجتمعي والتعليمي، وتعميق الشراكة بين البلديات والمؤسسات التربوية في تبنّي مفاهيم المشاركة والمواطنة والعمل المحلي المشترك. كما يعكس تنامي هذا النوع من المبادرات تحولًا واضحًا في الوعي المجتمعي، حيث أصبحت المؤسسات المحلية أكثر انخراطًا في نهج الاتحاد القائم على دمج الوعي التنموي بالممارسة اليومية، بما يعزّز التكامل بين التعليم والعمل البلدي ويسهم في تحقيق تنمية أكثر استدامة وشمولًا.

وتحوّل النشاط في بيت فوريك إلى تجربة تعليمية تفاعلية قدّمت مفاهيم التنمية المستدامة بطريقة حيّة وقريبة من الطلبة، عبر أنشطة وألعاب تربط المعرفة بالممارسة، وتشجّع التفكير الجماعي والمسؤولية المشتركة. ومن خلال معرض أهداف التنمية المستدامة الذي أعدّه الطلبة باللغة الإنجليزية، عبّر المشاركون عن فهمهم للأهداف بطرق مبتكرة تعكس وعيهم المتنامي بدورهم في التنمية المحلية. 

الحملة البيئية التفاعلية “بدنا رأيك

في سياق تطوير أدوات المشاركة المجتمعية وتحويل الحوار مع المواطنين إلى ممارسة مؤسسية منظّمة، أطلق الاتحاد الفلسطيني للهيئات المحلية حملة وطنية رقمية بعنوان #بدنا_رأيك، بالشراكة مع البلديات المشاركة في مشروع تمكين المجتمع الفلسطيني لاستغلال فرص التنمية المستدامة، والمموّل من الوكالة البلجيكية للتعاون الدولي.

جاءت الحملة كتجربة رائدة في بناء منصات رقمية للتفاعل البلدي المباشر، تهدف إلى إشراك المواطنين في تحديد الأولويات البيئية داخل مجتمعاتهم، واستطلاع آرائهم في قضايا مرتبطة بالفرز المنزلي، وتوسيع المساحات الخضراء، واعتماد الطاقة الشمسية في المرافق العامة.

نُشرت عبر صفحات البلديات 24 منشورًا تفاعليًا صُمّمت لتكون أسئلة مفتوحة للنقاش، لا بيانات إعلامية أحادية الاتجاه، فاستقطبت مئات المشاركات التي تحوّلت إلى حوارات جماعية حيّة تجمع بين الوعي البيئي والتفكير العملي.

أبرز ما ميّز الحملة أنها أعادت تعريف التواصل البلدي، من نشرٍ للمعلومات إلى تداولٍ للأفكار. فقد تحوّل كل منشور إلى مساحة للتفكير المشترك حول مستقبل المدن الفلسطينية:

  • كيف يمكن أن تصبح أكثر خضرة؟
  • كيف تُدار مواردها البيئية بعدالة؟
  • وما الدور الذي يمكن للمواطن أن يلعبه في حماية بيئته؟

وفي بلديتي طولكرم وأريحا، أظهر التفاعل المجتمعي عمقًا لافتًا في الطرح، حيث قدّم المواطنون مقترحات عملية لإعادة تأهيل الشوارع والحدائق العامة، وتشجيع

 الزراعة داخل الأحياء، وربط تراخيص البناء الجديدة بشرط تخصيص مساحات خضراء، وهي توصيات تعكس نضوج الوعي البيئي المحلي واستعداد المواطنين للانخراط في التخطيط.

بهذه التجربة، وضع الاتحاد نموذجًا متقدّمًا للتواصل بين البلديات ومجتمعاتها، قائمًا على الاستماع المنهجي واعتبار رأي المواطن مصدرًا للسياسات وليس مجرّد مداخلة على وسائل التواصل. لقد مثّلت حملة #بدنا_رأيك خطوة نوعية نحو ترسيخ مفهوم المواطنة البيئية التشاركية، وإعادة بناء العلاقة بين المواطن ومؤسسته المحلية على أسس الحوار والثقة والمسؤولية المشتركة.